لوحة لم تكتمل
بقلم : فاطمة علي
تحرير أدبي : أفنان السريحي
عادت عفاف من مدرستها والبهجة تملأ قلبها فقد كانت على موعد مع التكريم كأفضل رسامة والأولى على فصلها في ذلك اليوم عم الفرح أرجاء المنزل وبدأت عفاف ترسم في خيالها لوحة الشوق لليوم الذي ستتوج فيه في الصف الخامس كانت تتخيل كيف ستعتلي المنصة وأعادت قياس زي تخرجها الكحلي عدة مرات والذي يتناغم مع بياض بشرتها وجمال تقاسيم وجهها واحمرار خديها الرباني فبدت كجوهرة أو حورية بحر تلمع عيناها بالأمل وتغني روحها بألحان المستقبل كانت الأحلام تسبقها إلى غدٍ مشرق، عالم من ألوان وفرشاة لا تعرف إلا الإبداع.
وفي غمرة أحلامها الجميلة وصل والدها وقد سبقه المرافقون ليعلنوا عن وصول الشيخ القبلي في تلك اللحظة تغير كل شيء تبدلت ضحكها إلى صمت وتبدلت اهازيج الفرح إلى ثقل غريب يهبط على الصدر.. أقبلت عفاف نحو أبيها تحمل زي التخرج لتزف إليه بشرى تفوقها لكنه انتزع الزي وألقى به جانباً ببرود قائلاً: جهزوا الفتاة عصراً ستأتي عائلة الشيخ هادي لرؤيتها وستزف خلال شهر إلى ابنه.. سقطت الكلمات على مسامعها كحجرٍ ثقيل تجمدت الفرشاة في يدها وسقطت من أصابعها سقط معها كل ما رسمته من أحلام لم تكن تدري أن طفولتها ستختطف قبل أن تكتمل وأن اسمها سيمحى من قوائم المتفوقين ليكتب في دفتر لا تملك فيه رأياً
غادرت عفاف بيت أبيها عروساً لا تعرف العريس وودعت الابتسامة شفتاها إلى الأبد تعرضت لصدمة عنيفة نقلت على إثرها إلى المستشفى وماهي إلا أسابيع قليله فتبدأ آثار الحمل عليها التصق جسدها بالسرير وروحها بالظلام كانت تنظر إلى السقف الأبيض ولا ترى فيه إلا لون فستان التخرج الذي لم ترتده انطفأ بريق عينيها وصارت الأيام تمر كأشباح لا لون لها ولا صوت لم تعد ترسم ولم تعد تضحك بل صارت تخاف من صوت الباب ومن كلمة زواج ومن انعكاس وجهها في المرآة ماتت عفاف الصغيرة داخلها وبقي جسد يتحرك بلا قلب.
مرت الأيام ثقيلة حتى أدرك الأب أخيراً حجم خطئه وأيقن أنه قتل طفولة ابنته بعد أن حاولت الانتحار مع طفلها حين كسر فرحتها بثوب عرس ملطخ بالمصالح القبلية الضيقة جاءها ذات ليلة والدموع تحفر مجراها على وجهها آملا منها أن تسامحه وأن تمنح نفسها فرصة جديدة للحياة.. ببطء تعلمت عفاف كيف تجمع شظايا قلبها كيف تعيد للفرشاة لونها وكيف تهمس لنفسها أن النجاة ممكنة
تقدم لخطبتها رجل رأى فيها الإنسانة لا الفتاة المكسورة فتزوجته زواجاً اختارته هي لا فرضه عليها أحد عاد الدفء إلى صدرها وبدأت ترسم من جديد هذه المرة لوحات عن الشفاء وعن الحرية وعن يدٍ تمتد دون قيد.
لكن القدر لم يمهلها طويلاً!
في يوم خرجت فيه لزيارة أهلها اختُطفت على طريقٍ ناءٍ من قبل زوجها السابق وسحبت إلى مكان مجهول حيث حاولت الهرب بكل ما تبقى فيها من روح ركضت في العراء حافية تخيط خوفها بدعاء صامت حتى نجحت في الإفلات بمساعدة أم زوجها السابق بجسد مرتجف وقلب لا يزال ينبض عادت إلى بيتها تظن أن الأمان قد صار لها وطناً أخيراً.
وفي آخر زيارة لها اقتربت من والدها وقبلت رأسه وقلبها يطلب الأمان جاءت طالبة منه الدعاء لها ولزوجها لتخبره أنهم ينوون الرحيل خارج البلاد جاءت تطوي صفحة الماضي بيد مرتجفة جاءت لتراه لا لتعاتبه كانت تحمل في عينيها دمعة رضا وفي صوتها همس صلح لم تدر أن خلف ظهرها كان الغدر ينتظر دوت رصاصة من مسدس أحد إخوتها لتخترق قلبها من الخلف قبل أن تكمل كلمتها سقطت عفاف على الأرض وسقط معها كل ما بقي من حلم بدأ بفرح العودة من المدرسة ماتت وهي تحاول أن تعيد لأبيها ابنته ومات معها حلم كان يمكن أن يصبح لوحة تُعلق في سماء الوطن.